الشنقيطي
145
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قوله تعالى : أَ فَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا ( 102 ) [ 102 ] آية . الهمزة في قوله تعالى : أَ فَحَسِبَ للإنكار والتوبيخ . وفي الآية حذف دل المقام عليه . قال بعض العلماء : تقدير المحذوف هو : أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء ، ولا أعاقبهم العقاب الشديد ! كلا ! ! بل سأعاقبهم على ذلك العقاب الشديد ؛ بدليل قوله تعالى بعده : إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا ( 102 ) وقال بعض العلماء : تقديره : أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء ! وأن ذلك ينفعهم . كلا ! لا ينفعهم بل يضرهم . ويدل لهذا قوله تعالى عنهم : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] وقوله عنهم : وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [ يونس : 18 ] . ثم إنه تعالى بين بطلان ذلك بقوله : قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 18 ) [ يونس : 18 ] ، وما أنكره عليهم هنا من ظنهم أنهم يتخذون من دونه أولياء من عباده ولا يعاقبهم ؛ أو أن ذلك ينفعهم - جاء مبينا في مواضع ، كقوله في أول سورة « الأعراف » : اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ [ الأعراف : 3 ] الآية . فقد نهاهم عن اتباع الأولياء من دونه في هذه الآية ، لأنه يضرهم ولا ينفعهم ، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن من الأدلة على أنه لا ولي من دون اللّه لأحد ، وإنما الموالاة في اللّه ، كقوله : وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ [ الكهف : 26 ] الآية ، وقوله : وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ( 113 ) [ هود : 113 ] ، وقوله : وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ [ الشورى : 44 ] الآية ، وقوله وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ [ الأنعام : 51 ] الآية ، وقوله : وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ [ الأنعام : 70 ] الآية ، ونحو ذلك من الآيات . وسيأتي له قريبا إن شاء اللّه تعالى زيادة إيضاح وأمثلة . والأظهر المتبادر من الإضافة في قوله « عبادي » أن المراد بهم نحو الملائكة وعيسى وعزيز ، لا الشياطين ونحوهم ، لأن مثل هذه الإضافة للتشريف غالبا . وقد بين تعالى : أنهم لا يكونون أولياء لهم في قوله : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ ( 40 ) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ [ سبأ : 40 - 41 ] الآية ، وقوله إِنَّا أَعْتَدْنا قد أوضحنا معناه في قوله تعالى : إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً [ الكهف : 29 ] الآية ، فأغنى عن إعادته هنا . وفي قوله نُزُلًا أوجه من التفسير للعلماء ، أظهرها : أن « النزل » هو ما يقدم للضيف عند نزوله ، والقادم عند قدومه . والمعنى : أن الذي يهيأ لهم من الإكرام عند قدومهم إلى ربهم هو جهنم المعدة لهم ، كقوله : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 21 ) [ آل عمران : 21 ] . وقوله :